الصحبة و الجماعة ًالصحبة مفتاحً

العدل و الإحسان
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حب الله قطب رحى الدين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
elaraby
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 34
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/11/2009
العمر : 30
الموقع : المشرف العام

مُساهمةموضوع: حب الله قطب رحى الدين   الإثنين يونيو 14, 2010 4:48 am

بسم الله الرحمن الرحيم. )رب أدخلي مُدْخَلَ صدق وأخرجني مُخرَجَ صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا(. رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكُر لِي ولا تمكُر علي، واهدني ويسر هُدَايَ، وانصرني على من بغى عليَّ،رب اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مِطْواعاً، إليك مُجيبا مُنيبا تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّتْ حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسللْ سخيمة قلبي.
الطريق الصادقة الصاعدة التي إن استقام عليها العبد في إرادته وجه الله، لا تصْرِفُ إرادة الدنيا وجهَه، طريق تقرب إلى الله عز وجل وتوصل إليه. إنها طريق الولاية والسبق لدرجات القرب من الله عز وجل. وتتحقق الولاية للعبد. ويُحْرِزُ على السبق والقُربى حين تكلل جهوده في طاعة مولاه وحبه والوفاء له والسير إليه بحب المولى عبده ذلك الحب الخاص الذي تَشرئب إليه أعناق الرجال. روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذَنته بالحرب. وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعِلُه تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مَساءَتَه".
هذا الحديث القدسي العظيم سندٌ قَوي لزيادة بيان ما أثبته القرآن وأثبتته السنة من أن الله جلت عظمته يحب من عباده خاصَّةً يُفْرِدُهم عن الناس هم أولياء الله. وحول هذا الحديث نَشِبَتْ بين طوائف العلماء خلافات وتأويلات. أفرده بعضهم بالتأليف لمزيد العناية به، كما فعل الشوكاني في كتاب "قطر الولي في حديث الولي"، وأنكره بعضهم مع ثبوته في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لَمّا ضاقت حُوَيْصِلَتُه عن قبول المعاني الجليلة التي يتضمّنها، كما فعل الذهبي حين زعم أنه: "حديث غريب جدا، ولولا هيبة الجامع الصحيح لعددته من منكرات خالد بن مخلد"[1]. وخالد بن مخلد راو من رجال إسناد الحديث، تجاوز القنطرة بتَزكية البخاري له، ويريد الذهبي غفر الله له أن يرده على أعقابه.
حديث جليل عظيم تفسر بعض معانيه فصول هذا الكتاب. نقف هنا على كون حب الله عبدَه ذلك الحب الخاص هو مطلب كل متقرب إلى الله، محب لله، مطيع لله، طامع في الله، مريد لله، فائز بالله.
وحب الله الخالق المنعم مغروزٌ في الفِطَرِ الكريمةِ المَعْدِنِ، تَطْمِرُه الطّوامر وتُبرزه من مكامنه صحبة من "ينهض بك حاله، ويدلك على الله مقاله". لا ينكر حب العبد لربه واستجابة المولى الودود بحبٍّ أكبر إلا جاحد مُعاند، أو مُعطل فاسد. "فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال. وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى. فهو المستحق لأن يُحب على الحقيقة والكمال. وإنكار محبة العبد لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا. كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته، وهو يستلزم إنكار كونه ربا خالقا. فصار إنكارها مستلزما لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التَّعطيل والجمود".
قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أورد حديث الولاية في بداية كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان"، ولم يتوقف فيه كما توقف الذهبي، بل بنى عليه واهْتَبَل به. والعجب لرجل من أهل الحديث مذهبُه إثبات الصفات وإمضاؤها كما جاءت، يتحول مُعطلا لِمَا يسمع من جلال ولاية الله لعبده المحبوب حتى لَيَكون سمعَه وبصرَه ويدَه ورجلَه! عجب! ثم عجب! ثم عجب لمن يحارب المؤوِّلين في الصفات عُمْرَه، ويذهب هو يؤول ويعطِّل في مثل هذا الخبر العظيم الذي بلَّغه من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. والحمد لله أن هنالك هيبة الجامع الصحيح تحول دون المحرفين ودون طمس معالم الطريق.
حب العبد ربَّه وحب الرب عبدَه هو قطب رحى الدين. وكلما كان العبد أشد إيمانا كان أشد حبا لله. قال الله تعالى: ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) . (سورة البقرة، الآية: 165) هذه المحبة بين العبد وربه، منك إليه ومنه إليك، هي: "عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها، ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها(...). ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته فهذه المسألة هي قطب رحى الدين الذي عليه مدارُه. وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق. وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله. ولا حول ولا قوة إلا بالله"[2].
والمؤمنون في حبهم لله مراتب، فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من نعم ومِنَن، وخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا. وكل هذه العواطف فروع لشجرة المحبة المغروزة في الفطرة الإنسانية، تبْرز من داني الفطرة وقاصيها إلى الوجود، فيقذف الله بها، وهي حق، على كل باطل مشكِّك مُعطِّل، فيدمغه فإذا هو زاهق. "أما بعد، فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصّهم بنعمته، وفضّلهم على سائر خليقته. فهي شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها"[3]. ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم.
رابطة الحب بين العبد وربه مغناطيس يجذب، ويُقَرِّب، ويُبَلِّغ المقامات العليا. قال سلطان العلماء: "إن المحبوب أبدا يسلُب بلطافةِ خاصِّيةِ محبته، ويجذب أجزاءها إليه بقوة سلطانه عليه. كما أن المغناطيس تعلقت به أجزاءُ الحديد، وانجذب إليه بذاته، فهو يدور معه حيث دار، وينجذب إليه حيثما سار. فمِن أوصاف الحب الميلُ الدَّائم، بالقلب الهائم، ومخالفة اللائم. إن من أراد كشف هذا السر الخفيّ، والكشف الجليّ، فليتدبر قوله عليه السلام مخبرا عن ربه عز وجل: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا وفؤادا".
قال: "فهمنا من ذلك أن علاقة وصلة المحبة لما اتصلت بها لطافة وصْلة المحبوبية، واستمسك بعروة حتى أحبه، قَوي سلطان المحبوبية على سلطان المحبة فأفناه عن ذاته، ونَفاه عن صفاته، ثم أقام ببقائه عن فنائه، وخيم بصفاته عن فنائه. تبدلت الصفات بالصفات، وقام الوجود بالوجود، فجاءت خِلَعُ الجود على يد: "فَبي يسمع وبي يبصر"[4].
نؤجل الحديث عن علوم الأولياء وأذواقهم ومعارفهم مثل الفناء والبقاء والوجود بالوجود إلى سائر ما يعبر به كل معبر. ما يبلغ متكلم بلاغة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأمانته ودقته وصدقه. غاية اسْتِفادتنا من كلامهم رضي الله عنهم أن نستمع عسى تَبلُغُ نبرة من نبرات صدقهم مَغَابِنَ فطرتنا. قال الشيخ أحمد الرفاعي: "أيْ بُنَيَّ! اعلم أن حبيب القلوب سبحانه إذا أحب عبدا أطْلع سره على جلال قدرته، وحرك قلبه بمراوح ذكر مِنّته، وسقاه شَربةً من كأس محبته، حتى يُسكره به عن غيره. وجعله من أهل أنسه وقربه وصحبته، حتى لا يصبر عن ذكر ربه. ولا يختار أحدا عليه، ولا يُشغل بشيء دون أمره"[5].
سُقي القوم من قبلنا رضي الله عنهم شراب المحبة بكاسات دهاقٍ في خلوات المجاهدة والرياضة والتفرغ الدائم لذكر الله. ومطلب المجاهدين المشتاقين إلى ربهم في مستقبل القومة لله، والتحزب لله، وإقامة الخلافة على منهاج رسول الله، ينبغي أن يكون عند مقام من وصفهم الله عز وجل في كتابه العزيز حيث قال: )فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (سورة المائدة، الآية: 54) .
هنيئا لأحباب الله أولياء الله رحيقَ المحبة سُقوه قروناً طويلة في ظلال الخلوات، وأهنأُ منه ما سُقِيَه الصحابة تحت ظلال السيوف، وما يوعد به "الإخوان" بعد الصحابة تحت ظلال البنادق وأزيز الصواريخ وعجيج دواليب الدولة الإسلامية، تعْمر الأرض، وتنشر لواء العزة بالله، وتبلغ للعالمين رسالة الله.
ادعاء حب الله دون إعطاء براهين الصدق العمليَّة كذب وأمانٍ وأحلام. لستَ هناك حتى يَنقلعَ من قلبك حبُّ ما سوى الله من دنيا مُوثَرة وهوى مُتبع وأنانية طاغية! لستَ هناك حتى يرى اللهُ ورسولُه والمؤمنون عملَك عند الأمر والنهي! قال الغزالي: "لا ينبغي أن يَغْتَرّ الإنسان بتلبيس الشيطان وخِدَعِ النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات، وما لم يُطالبها بالبراهين والأدلة. والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمارُها تظهر في القلب واللسان والجوارح".
وذكر رحمه الله سبعة أدلة على ثبوت محبة الله في قلب العبد، منها "حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة"، و"أن يكون مُؤْثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه"، و"أن يكون مستهترا بذكر الله". و"أن يكون أنسُه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه"، و"أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل"، و"أن يتنعم بالطاعة، ولا يستثقلها"، و"أن يكون مُشْفِقاً على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديدا على جميع أعداء الله"[6].
من الناس من يَزعم أن السلوك إلى الله عن طريق الحب أمر إرادي يتحقق بدون اعتبار الأمر والنهي الوارد بهما الشرع. ويتحدثون عن المحبة والدنو والقرب والعشق والهُيام وسائر هذه المصطلحات، ثم تجدهم عند الأمر والنهي مُتلَكّئين مُتهاوِنِين. هؤلاء عابثون مستهزئون، "لم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله وأن يحبَّ ما يحبه الله، ويبغض ما أبغضه، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه. وأنك لا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تسأل إلا الله وهذا ملة إبراهيم. وهذا الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين"[7].
محبة الله عز وجل الصادقة بِبَراهينِها، المُوَفِّية لشروطها من جانب العبد، الفائضة من العزيز الحميد نُزُلا مُباركاً، جنة في الدنيا معجَّلة لأحباب الله. قال ابن القيم: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة"[8].
وقال المحب:
إن المحـب نهـارُه مستوحـش بين العبـاد يسيــر كالمتفـرِّد
فالعـيـن منه قـريـرة بحبيبـه يرجـو لقـاء الواحـد المتـوحِّـد
يا حُسْنَ موكبهم إذا ما أقبلـوا نحو الإلـه مع النـبي محمـد!

وقال آخر:
أمـوت وما مـاتت إليك صبـابـتي لا قُضيَـت من صـدق حبك أوْطـاري
مُناي،المنى كل المنـى، أنت لي مُنىً أنت الغنى،كل الغنى،عنـد إِقتـاري
وأنت مَـدى سُـؤْلي وغـاية رغبـتـي مـوضع آمـالي ومكـنــون إضْمـاري
تَحـمَّـلَ قلبـي فيـك ما لا أبُـثــه إن طال سُقْمي فيك أو طال إضـراري
وبين ضلـوعي منـك ما لك قَـدْ بـدا ولم يَبْــدُ بـاديه لأهـل ولا جَــار
وبي منـك في الأحشـاء داء مُخـامِـرٌ فقد هَدَّ مني الركنَ وانبث إسـراري
ألستَ دليل الركب إن هم تحيـروا؟ ومنْقـذَ من أشفـى على جُـرُفٍ هـار؟
أنَـرْتَ الهـدى للمـهتـدين ولم يكـن من النـور في أيديـهم عُشْـرُ معشــار
فَنِلْـني بعفـو مـنك أحْـيـى بقـربه أغثني بيُسْـر مـنك يطـرد إعسـاري

وقال المحب الذاكر ذو البصيرة:
ذكـرك لي مـؤنـس يعـارضني يُوعدني عنك منك بالظَّفَـر
فكيف أنساك يا مَدَى هِمَمي وأنت مـني بموضع النظـر؟

وقال الإمام الشافعي يخاطب الدعِيَّ الكاذب:
تعصي الإله وأنت تظهـر حبه هذا محـال في القيـاس بديـع
لو كـان حبـك صـادقا لأطعتـه إن المحب لمـن يحب مطيـع
في كـل يـوم يبـتـديـك بنعـمـة منه وأنت لشكـر ذاك مطيـع

وقلت وأنا العبد العاصي عفا الله عني:
تعصيه ويْحك زاعما بوقاحـة حبَّ المهيمـن إن ذا لفظـيــعُ
أبدعت في شرع الوداد وخنْتَه إن الـمُحبَّ لمن يُحب مُطـيــعُ
ما أنت مِن رِقّ الهوى مُتحـرِّرٌ ولأنت في وَحَل الفُتون صريـعُُ




[1] ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج 1 ص 641 لخالد بن مخلد القطواني.
ابن القيم في "طريق الهجرتين" ص 415.
نفس المصدر ص 4.
[4] بين الشريعة والحقيقة ص 14.
[5] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 226.
[6] الإحياء ج 4 ص 282.
ابن تيمية في الفتاوي ج 8 ص 337.
[8] الوابل الصيب ص 44.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://assohba.montadamoslim.com
elaraby
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 34
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/11/2009
العمر : 30
الموقع : المشرف العام

مُساهمةموضوع: سر صلاح الأمر، حب الله سبحانه وتعالى بقلم: محمد سعيد رمضان   الإثنين يونيو 14, 2010 4:52 am

بقلم: محمد سعيد رمضان البوطي سر صلاح الأمر،
حب الله سبحانه وتعالى

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله:

إنما صلح أمر هذه الأمة عندما صلح بالحب، وإنما فسد أمرها عندما فسد بالحب أيضاً، فلح أمرها عندما اتجهت هذه الأمة بأفئدتها إلى محبة الباقي، إلى محبة الله سبحانه وتعالى، ثم إلى محبة اليوم الآخر، وفسد أمرها عندما اتجهت بأفئدتها إلى محبة الفاني، إلى محبة الدنيا وزخارفها وأهوائها وشهواتها.

هذه خلاصة ينبغي لكل مسلم أن يتبينها أما تفصيل هذه الخلاصة، فأقول لكم: أيها الإخوة عندما وعت هذه الأمة كتاب الله عز وجل، وأصغت إلى وصايا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، عرفت حقيقة هذه الدنيا التي نعيش فيها، وعرفت معنى البقاء والفناء، فاتجهت بأفئدتها إلى محبة الله عز وجل، واتجهت بأفئدتها إلى التعلق باليوم الآخر، وقد استقر في وعيها، كلام حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيما رواه البخاري لعبد الله ابن عمر وقد أخذ بمنكبه: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وقد استقر في أذهانهم ووعيهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن ماجة وأحمد والترمذي والحاكم من حديث عبد الله ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما لي وللدنيا أنا في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) أصغوا بوعيهم إلى كلام الله سبحانه وتعالى القائل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} [الكهف: 18/45] فرغت محبتهم من محبة هذه الدنيا التي تعرفوا على فئاتها وضحالتها من كلام الله وبيان رسوله، ثم اتجهوا بوعيهم إلى كلام الله القائل: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} [البقرة: 2/165] ففاضت أفئدتهم - وقد فرغت وطهرت من محبة الدنيا وزخارفها - وفاضت بحب الله عز وجل، ساروا وقد خف ثقلهم وقد نشطوا من عقال، ساروا في الطريق الذي أمرهم الله عز وجل به فتحوا الدنيا أشادوا الحضارة، لم يستطع العدو الذي جاءهم عن يمينهم وعن شمالهم ومن فوقهم ومن تحتهم، لم يستطع العدو أن يسكرهم بزخرف الدنيا، لم يستطع العدو أن يشغلهم ويلهيهم بزخارفها وأهوائها، لم يستطع العدو أن يرشوهم بالذهب والشهوات المختلفة المتنوعة، فكان الحب الذي اتجه إلى الله عز وجل هو سر صلاح أمرهم، وهو سر نجاحهم، وهو سر الظفر الذي أكرمهم الله سبحانه وتعالى به، ثم خلف من بعدهم خلف تحولت أفئدتهم من التوجه إلى الأعلى إلى التوجه إلى الأدنى، تحولت أفئدتهم إلى محبة الشهوات والأهواء، وإلى التعلق بزخارف الدنيا وشهواتها وأهوائها، بعد أن فرغت من محبة الباقي، بعد أن فرغت من محبة الله سبحانه وتعالى، ثقل حملهم وبطلت حركتهم، ورأى العدو نقطة الضعف في حياتهم، أسكرهم العدو من الدنيا بكل ما يلهي، وبكل ما يطغي، وبكل ما ينسي، أسكرهم العدو بالشهوات والأهواء، رشاهم العدو بالمزيد والمزيد مما يحبون، وهكذا ثقلت حركة هذه الأمة بسبب الأحمال الثقيلة التي حملوها من جراء محبتهم للفاني، وتحولهم مما كان عليه سلفهم الصالح من محبة الباقي ألا وهو الله سبحانه وتعالى، فآلى أمرهم إلى هذا الذي ترون، أنا أتحدث هذه الحقيقة البدهية التي ينبغي أن يعلمها كل إنسان عاقل، فضلاً عن كل إنسان مؤمن بالله سبحانه وتعالى، أتحدث عن هذه الحقيقة لأن من أهم المصائب التي حاقت بأمتنا الإسلامية، أنهم أصبحوا بعيدين عن هذه الحقيقة، لا يذكرونها ولا يتمثلونها ولا يخطر في بالهم أن يتحدثوا عنها عندما يتلاقون بالتساؤل عن أمراضهم التي توضعت فيهم، وعن السوء الذي أحاط بهم، هذه الظاهرة مصيبة من أخطر المصائب.

وُجِدْتُ أيها الإخوة في مؤتمرات كثيرة، واشتركت في ندوات متنوعة شتى، كلها يدور حول محور ما أصاب المسلمين اليوم، كلها يدور حول محور العلاج الذي ينبغي أن يتخذه المسلمون اليوم لمعالجة أدوائهم وأمراضهم، فما وجدت فيهم من جمع المؤتمرين أو المتحدثين في يوم من الأيام ليتذكروا هذه الحقيقة. ما وجدت فيهم من يتذكر ويذكِّر بقول حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)). ما وجدت فيهم من يضع يده على مكمن هذا الداء، الكل وفي كل المناسبات يتحدثون عن المظاهر، إذا تحدثوا عن الأمراض تحدثوا عن ظواهرها، وإذا تحدثوا عن العلاجات تحدثوا عن ظواهر الحركات الإسلامية والخطط والأفكار والمؤلفات والاجتماعات والتلاقي. أما ما وراء ذلك من الداء الْمُسْتَكِنّ في الباطن، والذي يُحِسُّ به كل منا عندما يعود إلى كيانه، فلا والله ما رأيت فيهم من أشار إلى هذا الداء الذي توضع في كيان الأمة من قريب أو بعيد. وأنا لا أتحدث عن أناس تائهين عن صراط الله، أو عن أناس تطوف بذهنهم أحلام الحداثة أو أفكار العلمانية، وإنما أتحدث عن أناس يعلنون الغيرة على الإسلام، أناس مفكرين يجمعون الناس للتشاور في أمر هذه الأمة وما قد حل بها. لم أجد فيهم من وقف عند هذه الحقيقة الواضحة الساطعة.

الفكر أيها الإخوة أساس لابدَّ منه، العقل الذي ينبغي أن يحتضن مبادئ الإيمان بالله أساس لابدَّ منه، ولكن الأساس خفي في باطن الأرض، لابدَّ بعد ذلك من إشادة البناء، والبناء الإسلامي لا تتم إشادته إلا بالجب، وقد قلت أكثر من مرة: إن القيادة في حياة الإنسان ليست بيد العقل وإنما هي بيد القلب، أي بيد الحب. العقل مهمته الإضاءة، مهمته الإنارة وتنتهي مهمته عند ذلك. أما الوقود المحرك في كيان الإنسان فهو الحب، فانظر ما المحبوب الذي تعلق به فؤاد هذا الإنسان لابدَّ أن يكون اتجاهه إلى ذلك المحبوب، العقل يريك الضوء ثم يقول: أنا آسف لا أستطيع أن أُعِيْنَك بأكثر من ذلك. وقد قلت وأقول: أرأيتم إلى السيارة عندما تضيء بمصباحها الطريق إلى الأمام لأمتار طويلة، إنها تريك الطريق المتعرجة والمستقيمة تماماً، لكنها لا تستطيع بهذا الضياء أن تتحرك إطلاقاً، إنما الذي يحركها الوقود، هذه الأمة صَلَحت بالحب الذي اتجه بها إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إن هذه الأمة فسدت بالحب عندما اتجه بها هذا الحب إلى الأدنى إلى الفاني، ليت أن مؤتمراً من المؤتمرات يُعْقَد في عالمنا العربي والإسلامي لبحث هذه الحقيقة، وللوقوف عند قول الله سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 7/175-176]. ليت أن أمتنا تقف عند هذا الخطاب الرباني الذي يُجَسِّد هذه الحقيقة في مثال هو مثال واقعي: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها} آتيناه علومنا، تركزت هذه العلوم في عقله، احتضنها عقله، علوم شتى، لكنها لم تفده {فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ} ما الذي جعله ينسلخ منها؟ الحب عندما اتجه إلى الأدنى {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها} بهذه العلوم {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أخلدَ إلى الأرض بعقله أم بقلبه؟ أخلد إلى الأرض بقلبه، تعلق قلبه بزخارف الدنيا بأهوائها، بشهواتها فانحطّ إلى هذا الدون فأهلكه الله سبحانه وتعالى، هذا المثل الذي يضرب الله عز وجل لنا به حديث فرد ينطبق على أمة، أمتنا اليوم تعيد سيرة هذا الإنسان. لا ينبغي لنا أن نعتب على القضاء، وما ينبغي لنا أن نتساءل عن وعد الله عز وجل أين غاب مصداقيته؟ لا، ينبغي أن نعود إلى أنفسنا، وينبغي أن نتبين المرض العضال الذي توضع لا في عقولنا، ولكن في عواطفنا وقلوبنا. العدو إطلاقاً لم يتغلب علينا بأسلحة فتاكة كما قد يخيل إلى البعض، وإنما تغلب علينا بالمرض العضال الذي نعاني، العدو وجد أنا مغرمون بالدنيا وشهواتها وأهوائها، العدو وجد أننا سكارى بملذاتنا وأهوائنا، فجعل من ذلك سبباً للتفريق، سبباً لتشتيت الأمة، سبباً لبث أسباب الفُرقة فيها. ثم إن هذه الأمة كلما ازدادت تعلقاً بالأرض وإخلاداً إليها كلما ازدادت ذلاً وكلما ازدادت هواناً.

ما العلاج؟ العلاج شيء واحد، هو أن تتحول أفئدتنا من التوجه إلى الأرض وزخرفها إلى السماء إلى الله سبحانه وتعالى.

أقول قولي هذا وأسأل الله عز وجل أن يلهمنا جميعاً الرشد وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه!

ربنا اغفر لنا ولوالدينا، ولإخواننا الحاضرين ووالديهم، ولمشايخنا ولأرباب الحقوق علينا ولسائر المسلمين أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

آمين آمين آمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://assohba.montadamoslim.com
elaraby
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 34
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/11/2009
العمر : 30
الموقع : المشرف العام

مُساهمةموضوع: الشعبة الأولى: حب الله ورسوله حب الله قطب رحى الدين بقلم: بنيوسف يوسفي   الإثنين يونيو 14, 2010 4:54 am

بقلم: بنيوسف يوسفي الشعبة الأولى: حب الله ورسوله
حب الله قطب رحى الدين 2/1

الفهرس
تعريف المحبةدليلها وفضلهاالأسباب المورثة للمحبةعلامات المحبةوقيل في علامات حب الله تعالى:مقامات المحبينمن قصص المحبين

تعريف المحبة
المحبة أصلها من الصفاء، ذلك أن العرب تقول في صفاء بياض الأسنان ونضارتها: (حبب الأسنان). وقيل: أنها مأخوذة من الحباب، وهو الذي يعلو الماء عند المطر الشديد، فكأن غليان القلب وثورته عند الاضطرام والاهتياج إلى لقاء المحبوب يشبه ذلك. وقيل: مشتقه من الثبات والالتزام، ومنه: أحب البعير، إذا برك فلم يقم لأن المحب لزم قلبه محبوبه.

وقيل: النقيض، أي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سمي (القرط) حبا لقلقه في الأذن، قال الراعي يصف صائدا:

تبيت الحية النضناض منهمكان الحب تستمع السرارا

وقيل: مأخوذة من الحب جمع حبه، وهي لباب الشيء وأصله، لأن القلب أصل كيان الإنسان ولبه ومستودع الحب ومكمنه.

وقيل هو: الميل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب حضورا وغيابا وإيثار ما يريده المحبوب على ما عداه، والطواعية الكاملة، والذكر الدائم وعدم السلوان.

قال الشاعر:

ومن كان من طول الهوى ذاق سلوهفأني من ليلى لها غير ذائق وأكثر شيء نلته من وصالهاأماني لم تصدق كلمعة بارق
وقيل هي عمى القلب عن رؤية غير المحبوب، وصممه عن سماع العذل فيه، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد تصديق ذلك، إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حبك الشيء يعمي ويصم" .

وقيل هي الحضور الدائم، كما قال الشاعر:

يا مقيما في خاطري وجنانيوبعيدا عن ناضري وعياني أنت روحي إن كنت لست أراهافهي أدنى إلي من كل دان
أما محبة الله فهي أفضل نعمة على الإطلاق، فهي السبب والنتيجة، وهي أصل كل النعم "وما بكم من نعمة فمن الله"، وهي قطب رحى الدين، وهي "الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إِدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضا. ولا قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد.." [1]. وكل ما قيل وكتب في المحبة إنما هو تبيان لثمارها، إذ التعريفات للعلوم، والمحبة مقام ذوقي يفيض على قلوب الأولياء المحبين، وتعريفاتها لا يزيدها إلا غموضا، وتعريفها هو وجودها. قال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: "فإن المحبة لا يعبِّر عنها حقيقة إلا مَنْ ذاقها، ومن ذاقها استولى عليه من الذهول على ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة" .

والحب فطرة في النفس الزكية، تنزع بها إِلى تفهم حقيقتها والشوق إِلى التعرف على خالقها. ويزداد الحب كلما ازداد الإِيمان، وبمقدار كمال النفس يكون الحب، وعلى قدر الحب تكون السعادة ويكون النعيم. وحب الله تعالى يسمو بالذوق الإِنساني؛ إِذ يحوّل صاحبه إِلى لطيفة راضية مطمئنة.

قال أبو بكر الكتاني رحمه الله تعالى: "جرتْ مسألةٌ في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إِليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هيبته، وصفاء شربه من كأس وُدِّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإِن تكلم فبالله، وإِن نطق فعن الله، وإِن تحرك فبأمر الله، وإِن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين." [2]

دليلها وفضلها
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان الجزء الأول ص 170: "حب الله الخالق المنعم مغروز في الفطر الكريمة المعدن، تطمره الطوامر وتبرزه من مكامنه صحبة من "ينهض بك حاله، ويدلك على الله مقاله"" . لا ينكر حب العبد لربه واستجابة المولى الودود بحب أكبر إلا جاحد معاند، أو معطل فاسد. "فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال. وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى. فهو المستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال" [3].

ويقول أيضا: "حب العبد ربه وحب الرب عبده هو قطب رحى الدين. وكلما كان العبد أشد إيمانا كان أشد حبا لله. قال الله تعالى: " ﴿ والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ . هذه المحبة بين العبد وربه، منك إليه ومنه إليك، هي: "عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها، ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها.. ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته. فهذه المسألة هي قطب رحى الدين الذي عليه مداره. وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق. وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله. ولا حول ولا قوة إلا بالله" [4].

والأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه كثيرة. قال الله تعالى: ﴿ يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ﴾ . وقال تعالى: ﴿ والذين آمنوا أشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿ قل إنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفِرْ لكُمْ ذنوبَكُم﴾ . ويحببكم الله: دليل على المحبة وفائدتها وفضلها.

وفي السنة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" [5].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِليَّ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ سمعُه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه" [6]. يعلق الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان فقرة "حب الله قطب رحى الدين"، يقول: "هذا الحديث القدسي العظيم سند قوي لزيادة بيان ما أثبته القرآن وأثبتته السنة من أن الله جلت عظمته يحب من عباده خاصة يفردهم عن الناس هم أولياء الله. وحول هذا الحديث نشبت بين طوائف العلماء خلافات وتأويلات. أفرده بعضهم بالتأليف لمزيد العناية به، كما فعل الشوكاني في كتاب "قطر الولي في حديث الولي" وأنكره بعضهم مع ثبوته في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لما ضاقت حويصلته عن قبول المعاني الجليلة التي يتضمنها" .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إِن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" [7].

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد" [8].

والقرآن والسنة مملوءان بذكر مَنْ يحبه الله من عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: ﴿ واللهُ يُحِبُّ الصابرينَ﴾ . ﴿ واللهُ يُحِبُّ المحسنينَ﴾ . ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ﴾ .

قال عليه الصلاة والسلام: "أَحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأَحِبّوني بحب الله" [9].

الأسباب المورثة للمحبة
أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.

الثاني: التقرب إِلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإِنها توصل إِلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر.

الرابع: إِيثار محابِّه على محابِّك عند غلبة الهوى، والتسنُّمُ إِلى محابِّه وإِنْ صعب المرتقى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة.

السادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإِنها داعية إِلى محبته.

السابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى تذللاً وتواضعاً.

الثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة.

التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر. وهذا هو أعظم باب على الإطلاق للتعرف عليه سبحانه، لا وصول إليه إلا عن طرقه.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل [10].

فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل المحبة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين كلاما نفيسا في الطريق الموصل لمحبة الله تعالى في وقتنا الحاضر، يعطي إشارات واضحة ومعالم طريق، وخارطة طريق جلية، تسهل السلوك وتبينه، ويقارنه بسلوك الصحابة الكرام وأولياء الله رضي الله عنهم أجمعين، يقول في الإحسان، ج 1 ص173: "سُقي القوم من قبلنا رضي الله عنهم شراب المحبة بكاسات دهاقٍ في خلوات المجاهدة والرياضة والتفرغ الدائم لذكر الله. ومطلب المجاهدين المشتاقين إلى ربهم في مستقبل القومة لله، والتحزب لله، وإقامة الخلافة على منهاج رسول الله، ينبغي أن يكون عند مقام من وصفهم الله عز وجل في كتابه العزيز حيث قال: " ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

هنيئا لأحباب الله أولياء الله رحيقَ المحبة سُقوه قروناً طويلة في ظلال الخلوات، وأهنأُ منه ما سُقِيَه الصحابة تحت ظلال السيوف، وما يوعد به "الإخوان" بعد الصحابة تحت ظلال البنادق وأزيز الصواريخ وعجيج دواليب الدولة الإسلامية، تعْمر الأرض، وتنشر لواء العزة بالله، وتبلغ للعالمين رسالة الله.

علامات المحبة
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في الإحسان ص 174 "ادعاء حب الله دون إعطاء براهين الصدق العمليَّة كذب وأمانٍ وأحلام. لستَ هناك حتى يَنقلعَ من قلبك حبُّ ما سوى الله من دنيا مُوثَرة وهوى مُتبع وأنانية طاغية! لستَ هناك حتى يرى اللهُ ورسولُه والمؤمنون عملَك عند الأمر والنهي!" قال الغزالي (الإحياء ج 4 ص 282): "لا ينبغي أن يَغْتَرّ الإنسان بتلبيس الشيطان وخِدَعِ النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات، وما لم يُطالبها بالبراهين والأدلة. والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمارُها تظهر في القلب واللسان والجوارح" .

وذكر رحمه الله سبعة أدلة على ثبوت محبة الله في قلب العبد، منها ""حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة"، و"أن يكون مُؤْثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه"، و"أن يكون مستهترا بذكر الله". و"أن يكون أنسُه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه"، و"أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل"، و"أن يتنعم بالطاعة، ولا يستثقلها"، و"أن يكون مُشْفِقاً على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديدا على جميع أعداء الله"."

من الناس من يَزعم أن السلوك إلى الله عن طريق الحب أمر إرادي يتحقق بدون اعتبار الأمر والنهي الوارد بهما الشرع.

ويتحدثون عن المحبة والدنو والقرب والعشق والهُيام وسائر هذه المصطلحات، ثم تجدهم عند الأمر والنهي مُتلَكّئين مُتهاوِنِين. هؤلاء عابثون مستهزئون، "لم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله وأن يحبَّ ما يحبه الله، ويبغض ما أبغضه، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه. وأنك لا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تسأل إلا الله وهذا ملة إبراهيم. وهذا الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين" .

محبة الله عز وجل الصادقة بِبَراهينِها، المُوَفِّية لشروطها من جانب العبد، الفائضة من العزيز الحميد نُزُلا مُباركاً، جنة في الدنيا معجَّلة لأحباب الله. قال ابن القيم: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة."

وقيل في علامات حب الله تعالى:
عن أنس بن مالك: "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يوقد له نار فيقذف فيها" .

وقال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" [11].

قال سفيان بن عيينة: "والله لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله عز وجل، ومن أحب القرآن فقد أحب الله عز وجل" .

قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:

تعصي الإِلهَ وأنتَ تُظهر حبَّههذا لَعمري في القياس بديعُ لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَهإِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ
ينسج الأستاذ عبد السلام ياسين على نفس المنال وينشد:

تعصيه ويْحك زاعما بوقاحةحبَّ المهيمن إن ذا لفظيعُ أبدعت في شرع الوداد وخنْتَهإن المُحبَّ لمن يُحب مُطيعُ ما أنت مِن رِقّ الهوى مُتحرِّرٌولأنت في وَحَل الفُتون صريعُ
وفي هذا المعنى قيل أيضاً:

وأتركُ ما أهوى لما قد هويتَهفأرضى بما ترضى وإِن سخطتْ نفسي
وقيل:

خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في فميومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ
وبعضهم قال:

ومَنْ قلبه مع غيره كيف حاله؟ومَنْ سره في جفنه كيف يكتم؟
قال علي كرم الله وجهه في وصف المحبين المستأنسين بالله: هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستلانوا بما استوعر المُتْرفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إِلى دينه.

سئل ذو النون المصري رحمه الله تعالى عن المحبة فقال: "أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومةَ لائم، مع العطف على المؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتِّباعِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين" [12].

وقال أيضاً: "من علامات المحب لله، متابعةُ حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته" [13].

وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: "من أحب الله علَّم نفسه التواضع، وقطع عنها علائق الدنيا، وآثر الله تعالى على جميع أحواله، واشتغل بذكره، ولم يترك لنفسه رغبة فيما سوى الله تعالى، وقام بعبادته.." [14].

وقال محمد بن علي الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى: "حقيقة محبته دوام الأنس بذكره" [15].

مقامات المحبين
يقول الأستاذ عبد السلام يس في الإحسان: "والمؤمنون في حبهم لله مراتب، فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من نعم ومنن، وخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا. وكل هذه العواطف فروع لشجرة المحبة المغروزة في الفطرة الإنسانية، تبرز من داني الفطرة وقاصيها إلى الوجود، فيقذف الله بها، وهي حق، على كل باطل مشكك معطل، فيدمغه فإذا هو زاهق" . "أما بعد، فإن الله غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصهم بنعمته، وفضلهم على سائر خليقته. فهي شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها" [16].

مر عيسى عليه السلام على طائفة من العبَّاد، قد وهنت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم من العبادة؛ فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن عباد الله تعالى. فقال: ولأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خَوَّفَنا الله من ناره، فخفنا منها. فقال: إِن الله تعالى قد أَمَّنكم مما خفتم منه. ثم جاوزهم لآخرين أشد منهم عبادة، فقال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: شَوَّقنا الله جنتَه وما أعد فيها لأوليائه، فنحن نرجوها بعبادتنا. فقال: إِن الله أعطاكم ما رجوتم. ثم جاوزهم ومر بآخرين يتعبدون فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المحِبون لله عز وجل، لم نعبده خوفاً من ناره، ولا شوقاً إِلى جنته، ولكن حباً له وتعظيماً لجلاله؛ فقال أنتم أولياء الله حقاً، وقد أُمِرْتُ أن أُقيم معكم، وأقام بين أظهرهم. [17]

يشير هذا الشاهد إِلى أن الناس يتفاوتون باختلاف هممهم؛ فمنهم من يريد الدنيا؛ ومنهم من يريد الآخرة، ومنهم من يريد الله تعالى.

سمع بعض الصوفية قارئاً يقرأ: ﴿ مِنْكُم مَنْ يريدُ الدُّنيا ومِنْكُم مَنْ يريدُ الآخرة﴾ . فقال: وأين من يريد الله؟!..

ولهذا قال الإِمام علي رضي الله عنه: "إِن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإِن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإِن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار" .

وقيل في وصف الذين أرادوا الله، وأحبوه دون غيره:

فما مقصودُهم جناتُ عدنٍولا الحور الحسانُ ولا الخيامُ سوى نظرِ الجليلِ وذا مناهموهذا مقصدُ القومِ الكرامُ
لله در أقوام إِذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين الخائف، وإِذا أصبحوا رأيت عليهم تغير ألوان:

إِذا ما الليل أقبل كابدوهُويسفر عنهمُ وهمُ ركوعُ أطارَ الشوقُ نومَهمُ فقامواوأهلُ الأمنِ في الدنيا خشوعُ
أجسادهم تصبر على التعبد، وأقدامهم ليلَها مقيمة على التهجد، لا يُرَدُّ لهم صوت ولا دعاء، تراهم في ليلهم سجداً ركعاً، وقد ناداهم المنادي، وأطربهم الشادي:

يا رجالَ الليل جِدّوارُبَّ صوتٍ لا يُرَدُّ لا يقوم الليلَ إِلامَنْ له حَزم وجِدُّ
لو أرادوا في ليلتهم ساعة أن يناموا أقلقهم الشوق إِليه فقاموا، وجذبهم الوجد والغرام فهاموا، وأنشدهم مريدُ الحضرة عن لسان الحضرة وبثَّهم، وحملهم على المناجاة وحثَّهم:"حُثُّوا مطاياكم وجِدُّوا = إِن كان لي في القلوب وَجْدُ

قد آن أن تظهرَ الخبايا = وتُنشَر الصحف فاستعدُّوا" الفرش مشتاقة إِليهم، والوسائد متأسفة عليهم، النوم قرَّم إِلى عيونهم، والراحة مرتاحة إِلى جنوبهم. الليل عندهم أجلُّ الأوقات في المراتب، ومُسامرهم عند تهجدهم يرعى الكواكب. هجروا المنام في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجَوْا ربهم بأطيب كلام، وأنِسوا بقرب الملك العلاَّم، لو احتجب عنهم في ليلهم لذابوا، ولو تغيَّب عنهم لحظة لما طابوا، يديمون التهجد إِلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر.

ولقد جرّد المحسنون الحب عن المطامع والشهوات، وأخلصوا الحب لله تعالى، فليس في حبهم علة، ولا لعشقهم دواء إِلا رضا مولاهم، تقول رابعة العدوية رحمها الله تعالى:

كلُّهم يعبدون من خوفِ نارٍويرون النجاةَ حظاً جزيلا أوْ لكي يسكنوا الجِنانَ فيحظَوابكؤوسٍ ويشربوا السلسبيلا أو يقيموا بين القصورِ جميعاًأنا لا أبتغي بحِبِّي بديلا
ولبعض المحبين:

فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌوليتك ترضى والأنامُ غضابُ وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌوبيني وبين العالمين خرابُ إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌوكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ
وقيل:


قومٌ أَخلصوا في حُبِّهفاختارهم ورضي بهم خُدَّاما قومٌ إِذا جَنَّ الظلامُ عليهمُأبصرْتَ قوماً سجداً وقياما يتلذذون بذكره في ليلهمويكابدون به النهارَ صياما فسيغنمون عرائساً بعرائسٍويُبَوَّؤن من الجِنان خياما وتَقَرُّ أعينُهم بما أُخفِي لهموسيسمعون من الجليل سلاما

من قصص المحبين
* قال ابن القيم رحمه الله "ليس المستغرب أننا نحب الله تبارك وتعالى، ليس بمستغرب أن الفقير يحب الغني وأن الذليل يحب العزيز، فالنفس مجبولة على حب من أنعم عليها وتفضل عليها بالنعم، لكن العجيب من ملك يحب رعيته ويحب عباده ويتفضل عليهم بسائر النعم" .

* روي أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم عليه السلام ليقبض روحه فقال له إبراهيم عليه السلام: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟؟! فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه؟ فقال إبراهيم عليه السلام: يا ملك الموت اقبضني الآن.

* ولما خُير نبينا صلى الله عليه وسلم بين الحياة الدنيا ولقاء الله عز وجل قال: بل الرفيق الأعلى.

* وهذا أبو عبد الله النباجي اشترى جارية سوداء للخدمة فقال لها: قد اشتريتك، فضحكت فحسبها مجنونة.

فقال: أمجنونة أنتِ؟؟

فقالت: سبحان من يعلم خفيات القلوب، ما بمجنونة أنا.

ثم قالت: هل تقرأ شيئاً من القرآن؟

قال: نعم..

فقالت: اقرأ علي

فقرأ عليها: بسم الله الرحمن الرحيم

فشهقت شهقة وقالت: يا الله هذه لذة الخبر فكيف لذة النظر؟

فلما جن الليل وطأ فراشاً للنوم فقالت له: أما تستحي من مولاك أنه لا ينام وأنت تنام؟!

ثم أنشدت:

عجباً للمحب كيف ينامجوف الليل وقلبه مستهام إن قلبي وقلب من كان مثليطائران إلى مليك الأنام فأرضي مولاك إن أردت نجاةوتجافى عن إتباع الحرام
قال النباجي: فقامت ليلتها تصلي فقمت من نومي أبحث عنها فإذا هي تناجي ربها ساجدة وتقول "بحبك إياي لا تعذبني" فلما انتهت قلت لها: كيف عرفت أنه يحبك؟

قالت: أما أقامني بين يديه وأنامك، ولولا سابق محبته لي لم أحبه أما قال "يحبهم ويحبونه".

* مرض أعرابي فقيل له: إنك تموت، قال: وأين يذهب بي؟

قالوا: إلى الله عز وجل.

قال: فما أجمل الموت وما أجمل لقاء الله.

أليس هو الذي قال: "ورحمتي وسعت كل شيء"؟

* قال أحمد ابن الحواري سمعت أبا سليمان الداراني، ووقفت عليه وهو لا يراني، فسمعته يقول مناجياً ربه "لأن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولأن طالبتني بتوبتي لأطالبنك بسخائك، ولأن أدخلتني النار لأخبرن أهل النار أني أحبك" .

* وقال بعض العباد: "لما علمت أن ربي عز وجل هو الذي سيحاسبني زال عني حزني، لأنه الكريم الذي إذا حاسب عبده تفضل يا الله، يا الله لو يعلم المدبرون عنه كيف انتظاره لهم ورحمته إياهم وشوقه إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم شوقاً إليه، هذه إرادته في المدبرين عنه فكيف بالمقبلين عليه؟" .

* حُكي أنّ ذا النون المصري رحمه الله دخل المسجد الحرام فرأى شاباً عرياناً مطروحاً مريضاً تحت أسطوانة، وله أنين من قلب حزين، قال: فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له: من أنت يا غلام؟ قال: أنا غريب عاشق. فقلتُ، وأنا مثلك. فبكى وبكيتُ أنا بِبُكائه. قال: أتبكي أنتَ؟ فقُلتُ أنا مثلك. فبَكى بأعلى صوته وصاح صيحة عظيمة فخَرَجَت روحُهُ من ساعتهِ، فطَرَحتُ عليه ثوبي وخَرَجتُ من عندِه لِطَلَب الكفن، فلمَّا عُدتُ لم أجِدْهُ في مكانه، فقلت: سبحان الله! فسمعتُ هاتفاً يقول: يا ذا النون، إنّ هذا الغريب طلبه الشيطان في الدنيا فما وجده، وطلَبَهُ مالك فلم يرَهُ، وطَلَبهُ رضوان في الجنة فما وجَدَه. قلتُ: فأين هو؟ قال: فسمعتُ هاتفاً يقول: ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ . بسبب محبته وكثرة طاعته وتعجيل توبته.

* مرَّ عيسى عليه السلام بشاب يسقي بستاناً فقال الشاب لعيسى، سل ربّكَ أن يرزُقَني من محبّته مثقال ذرَّة. فقال عيسى: لا تُطيقُ مثقال ذرة. فقال: نصف ذرّة. فقال عيسى عليه السلام: يا رب ارزقهُ نصف ذرَّة من محبَّتِك. فلمّا مرّ عيسى بعد مدة بِمحلّ ذلك الشاب، وسأل عنه فقالوا: جُنَّ وذهب إلى الجبال. فدعا عيسى ربه أن يُرِيهِ إيّاه، فرآهُ بين الجبال، فَوجَدَه قائماً على صخرة شاخِصاً طَرْفَهُ إلى السماء، فسلَّمَ عليه عيسى فلم يرُدَّ عليه، فقال: أنا عيسى، فأوحى الله تعالى إلى عيسى: كيف يسمعُ كلامَ الآدميين من كان في قَلبِهِ مثقال نصفُ ذرَّة من محبَّتي؟ فَوَ عِزّتي وجلالي لو قطَعْتُه بالمنشار لما علم بذلك .

* حُكي أن رجلاً اشترى غلاماً، فقال الغلام: يا مولاي، إن لي معك ثلاثة شروط، أولها: أن لا تمنعني عن الصلاة المكتوبة إذا جاء وقتها، وثانيها: أن تأمرني بالنهار ما شئت ولا تأمرني بالليل، وثالثها: أن تجعل لي منزلا في بيتك لا يدخله غيري .فقال له الرجل: لك هذه الشروط. ثم قال الرجل: انظر في هذه البيوت، فطاف الغلام فوجد فيها بيتاً خرِباً فقال: أخذت هذا البيت. فقال الرجل يا غلام اختَرْتَ بيتاً خرِباً!! فقال الغلام يا مولاي: أما عَلِمتَ أن الخراب مع الله بستان؟ فكان الغلام يخدم مولاه في النهار وفي الليل يتَفَرّغ لعبادة ربه. فبينما هو كذلك إذ طاف مولاه ذات ليلة في الدار فبلغ حُجرة الغلام، فإذا هي مُنوِّرة والغلام ساجد وعلى رأسه قنديل من النور مُعَلَّق بين السماء والأرض، والغلام يناجي ربه ويقول: إلهي أوجَبْتَ عليّ حقَّ مولاي وخدمته بالنهار، ولولا ذلك ما اشتغلت ليلي ولا نهاري إلاّ بخدمتك فاعذرني يا رب، ومولاه ينظر إليه حتى انفجر الصبح ورُدَّ القنديل، وانضمّ سقف البيت، فرجع الرجل وأخبر امرأته بذلك، فلما كانت الليلة الثانية، أخذ بيد امرأته وجاء إلى باب الحجرة، فإذا الغلام في السجود، والقنديل على رأسه، فوقفا على الباب ينظران إليه ويبكيان حتى أصبحا، فدعا الغلام فقال له، أنت عتيق لوجه الله تعالى حتّى تَتَفرَّغ لعبادة من كنت تعتذر إليه. فرفع الغلام يديه إلى السماء وقال: يا صاحب السرّ إن السرَّ قد ظهرا ولا أريدُ حياتي بعدما اشتَهَرا. ثم قال: إلهي أسألك الموت، فخرَّ الغلام ميِّتاً.

اللهم ارزقنا حبك، آمين. والحمد لله رب العالمين.



[1] "الإحياء" للإمام الغزالي كتاب المحبة والشوق ج13. ص2570.

[2] "مدارج السالكين" ج3. ص11.

[3] ابن تيمية.

[4] ابن القيم.

[5] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان.

[6] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع.

[7] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة.

[8] أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب.

[9] رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب.

[10] انظر كتاب "مدارج السالكين" ص11 -12.

[11] رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، ومسلم في صحيحه في كتاب الذكر، باب من أحب لقاء الله.

[12] "طبقات الصوفية" للسلمي ص18.

[13] “طبقات الصوفية” للسلمي ص18.

[14] “البرهان المؤيد” للسيد أحمد الرفاعي ص59.

[15] “طبقات الصوفية” ص219.

[16] ابن القيم.

[17] “نور التحقيق” ص84.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://assohba.montadamoslim.com
 
حب الله قطب رحى الدين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الصحبة و الجماعة ًالصحبة مفتاحً :: العدل و الإحسان :: الخصال العشر :: الخصلة الأولى: الصحبة و الجماعة-
انتقل الى: